الشيخ محمد السند

48

تفسير ملاحم المحكمات

العملي ، والعقل العملي يقوم بعمل علمي ، فإنّ في العلم نمط من العمل أيضاً ، والنفس ما لم تروّض وتهذّب بالترغيب والترهيب لا تستجيب إلى ما تدركه من تصوّرات ومقدّمات وقضايا ، ومن ثمّ يأتي دور صاحب الترغيب والترهيب ، وهو المولى ، ومن ثمّ يتبيّن برهان ضرورة المولويّة في حصول المعرفة التصديقيّة ، وهذه إحدى الحيثيّات الواقعيّة لتأثير مقام الربوبي وهيمنته وقاهريّته ورحمانيّته في حصول الكمال للبشر بالمعرفة . وهناك حيثيّة أخرى وهي أنّ القدرة البشريّة في إدراك الحقائق ذات وسع محدود ، ومن ثمّ عرِّفت الفلسفة بأنّها إدراك الواقعيّة بحسب وسع القدرة البشريّة ، مع أنّ الواقعيّة لا تتضيّق بضيق الإدراك البشري ، وكان من اللازم لتكميل معرفة البشر من العناية الإلهيّة واللطف لإفاضة العلم عليه بما لا قدرة له عليه بنفسه ، وهذه ضرورة أخرى للافتقار إلى الوحي ومتابعته ، فمع وجود مساحة من الواقعيّة غائبة عن المخلوق ، وهو ما يعبّر عنه بالغيب ، بل إنّ ما غاب أعظم ممّا يشهده المخلوق بحسّه أو ما يشهده بوهمه وخياله أو يشهده بعقله أو ما يشهده بقلبه وسرّه ، فإنّها بمنزلة قطرة في محيطات لا متناهية ، فلا بدّ له أن يذعن بهذا الفقر والافتقار الدائم للواقعيّة الأزليّة اللّامتناهية ، وهذا معنى العبوديّة من المخلوق والمولويّة من قِبل الخالق . النقطة الرابعة ما ذكره علماء أصول الفقه عن كيفيّة العلاقة بين كاشفيّة العقل وهداية الوحي من وجوه متعدّدة بعينها ، تتأتّى في المعارف . ومن تلك الوجوه أنّ مجال العقل في البديهيّات والسعي إلى زيادة دائرتها عبر عمليّة تبديه النظريّات بالاستعانة بمدد الوحي في المساحات النظريّة ،